السيد الخميني
25
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني )
درعين حديديين . هذا الرجل الذي كان يعيش على خبز وخل ، يقضي أكثر أيامه صائماً ، وفطوره قليل من الخبز والملح أو الخبز والخل قد جمع إلى الزهد قوة الساعد الخارقة ، وهذا جمع بين أمرين متضادين هذا الرجل الذي بلغ من الشجاعة والبسالة حداً هزم فيه صناديد العرب وبهم رجالها فلم يثبت له أحد في حرب إلا بعجه بسيفه وأنه كان يقول : [ والله لو تضاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها ] « 1 » . هذا الرجل الذي بلغ من الشجاعة ، هذا الحد الخارق بلغ في الوقت نفسه من العطف والرأفة حدّاً عطف فيه على امرأةٍ يهودية ذمّية سلبت حجلها ، فعطف عليها عطفاً بالغاً إذ قال : [ فلو أنّ إمرأ مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً ، بل كان به عندي جديراً ] « 2 » . فهذا الرجل الذي شهد له نهج البلاغة بالعرفان ، وعلم ما وراء الطبيعة كان يشهر سيفه بوجه الكفار والمخربين ، فيحصدهم حصداً ، ونحن شيعة هذا الرجل الأعجوبة . أقول : لو لم يربّ نبيّ الإسلام - صلّى الله عليه وآله وسلم - غير هذا الرجل ، لكان كافياً له في أداء وظيفته ، فلو قدر أنّ نبيّ الإسلام ( ص ) إنما بعث لكي يقدّم رجلًا منزّها كهذا الرجل للأمة الإسلامية ، لكفاه ذلك ، هذا الرجل الذي لا يعرف أحد له نظيراً في الحاضر ولا في المستقبل قد قلد في مثل هذا اليوم إمامة الأمة الإسلامية وهكذا يجب أن يكون إمام الأمة . علماً بأنه لا يستطيع أحد أن يصل إلى مستواه . خلفاء النبيّ والأئمة ولا أحد بعد الرسول الأكرم ( ص ) أفضل منه في أمر من الأمور ، ولا يمكن أن يوجد في المستقبل ، ولكي تستمر قيادة الأمة الإسلامية وجب تعيين المؤهّلين من قبل النبيّ ( ص ) نفسه لذلك حينما أراد النبيّ أن ينتقل إلى جوار ربّه عيَّن خليفته والخلفاء جميعاً من بعدِه إلى زمان الغيبة ، وهؤلاء الخلفاء عينوا بدورهم إمام الأمة أيضاً ، وعلى العموم إنهم لم يتركوا هذه الأمة لحالها في حيرة من أمر إمامها . إذ عيّنوا لها إماماً وقائداً ، ففي الزمان الذي كان فيه أئمة الهدى كانوا هم الأئمة ، وبعدهم الفقهاء الملتزمون العارفون بحقيقة الإسلام ، الزاهدون في الدنيا المعرضون عنها الذين لا تغريهم بهارجها والذين يخلصون للشعب ، ويعتبرون أفراد الشعب أبناء هم أولئك هم الذين عيّنهم خلفاء الرسول الأكرم ( ص ) ليحرسوا هذه الأمة الإسلامية .
--> ( 1 ) نهج البلاغة كتاب أمير المؤمنين ( ع ) إلى عثمان بن حنيف ، رسالة رقم 45 . ( 2 ) المصدر السابق ، الخطبة 27 .